آراتا إيسوزاكي: مفاهيم ثورية لعمارة الحاضر والمستقبل

يمثّل المهندس المعماري الياباني آراتا إيسوزاكي حالة فنية وإبداعية متفردة بين معاصريه، فهو غزير الإنتاج وشديد التأثير، وتتسق مسيرته الشخصية والمهنية بعمق مع التغييرات التي اختبرتها اليابان خال وما بعد فترة الحرب العالمية الثانية.

يجمع دارسو أعمال إيسوزاكي على أن عمله مع كينزو تانغه في بداية مسيرته المهنية كان ذا أثر تأسيسي كبير، فقد تأثرت مشروعاته المبكرة في تلك المرحلة التكوينية، بالتجارب الأوروبية مع أسلوب يمزج «البروتالية الجديدة » ب «العمارة الميتابولية » كما يبدو في قاعة أويتا الطبية (1960-1959). ليبدأ بعدها في تشكيل نظرياته الشخصية الخاصة حول العمارة، التي ترجمها لاحقاً في مشاريع هندسية معقدة في تشكيلات أحادية، كما في صالة «بالاهوكي » الخاصة بهوكي الجليد في مدينة تورينو الإيطالية، أو تشكيلات مركبة مثل متحف مدينة كيتاكيوشو للفنون في اليابان.

يمكن القول إن إيسوزاكي انتقل لمرحلة ما بعد الحداثة في الثمانينيات، ويتجلى هذا المفهوم في إعادة استكشاف الخطوط والتشكيلات مع استخدام الألوان والتجريب، كما في التصميم الذي أنجزه لمتحف الفن
المعاصر في لوس أنجلوس.

تعدّ مشروعاته التي أنجزها في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في برشلونة عام 1992 ، ودورة الألعاب الأولمبية الشتوية في تورينو عام 2006 علامات بارزة على تطور تصوراته الهندسية.

يقول إيسوزاكي في مقابلة تلفزيونية مع «آرك دايلي » المتخصص في العمارة: «إن مواجهتي الأولى مع مفهوم العمارة كانت مع المستوى صفر »، في إشارة منه للدمار الذي تعرضت له اليابان خال الحرب العالمية الثانية التي شهد أهوالها، وتحولات الباد إبانها.

ويضيف: «لم تكن هناك عمارة أو مدينة. أصبحت مهتماً بكيف يمكن للعمارة وللمدينة النهوض من الدمار. في وقت السلم، لا يمكنك أن تكون مغامراً، بل مهادناً وهادئاً، لكن ثمَّة لحظة يتوجب فيها فعل شيء كبير، دون النظر إلى ما يمكن ارتكابه من أخطاء ».

مشاريع ثورية

يقول الكاتب والمنظّر الأميركي تشارلز جينكس، المتخصص في الفنون والنظرية الثقافية، في كتابه «عمارة الكون الوثاب » المنشور عام « :1995 يمثل مبنى مركز ديزني في أورلاندو بولاية فلوريدا والمصمم لإداريي وموظفي ديزني، حالة إبداعية فريدة، إذ يمتاز بوجود إسطوانة داخلية رئيسة ساكنة مع فضاء عالمي وأحجار كبيرة للأرضية ودوائر مفتوحة نحو السماء .» إضافة إلى «شرائح مخروطية تقاوم ضوء الشمس، وممشى ضمن مزولة شمسية، كل تلك العناصر تشغل الفكر. إن السمو في البساطة والقدسية وسط إمبراطورية الصناعات الخفيفة هما الجزء الحسابي لنظرية التطور الحديثة التي تعتمد على الاتزان المرقم والكون المتزامن مخيف الشكل ». (ص 118).

لا يصف جينكس هنا عمل إيسوزاكي المعماري بقدر ما يتطرق إلى المفاهيم التشكيلية )والتشكيل المفاهيمي، على حد سواء( لعمل معلّم العمارة الياباني، الذي تتوزع أعماله وتصميماته في أرجاء العالم.

مدينة في السماء

يعدّ مشروع «مدينة في السماء » من الأفكار الثورية التي يطرحها إيسوزاكي، إذ يقوم على كبسولات معلقة في الهواء فوق مبان إسطوانية عملاقة. تتيح هذه البنى توسيع وإعادة تكوين الفضاء الحضري المديني، عبر دمج أو إزالة وحدات الكبسولات بغية تلبية متطلبات السكان. وفي الوقت نفسه، تشبه أساسات الأبراج الحفر الهائلة التي خلفتها القنابل، ما يشير إلى سحب الدخان الذي أثاره قصف الولايات المتحدة لليابان خال الحرب العالمية الثانية.

يرى آراتا إيسوزاكي أن «قدر المدينة هو الخراب. هذه الأنقاض تمثل مستقبل مدينتنا والمستقبل هو الأنقاض ذاتها .» ويقول «مدن المستقبل أنقاض بذاتها.. مدننا المعاصرة مقدر لها أن تعيش لحظة عابرة. أن تتخلى عن طاقتها وتعود لمادتها الهامدة ».

وفي أوان طرح فكرة مشروع مدينة في السماء، حددت طوكيو أقصى ارتفاع للأبنية ب 31 متراً. يقول إيسوزاكي: «طوكيو مدينة بائسة.. إنني أترك كل ما هو دون الثلاثين متراً للآخرين. إنني أفكر بالعمارة وبالمدينة فوق الثلاثين متراً. كل ما أحتاج إليه هو 10 أمتار مربعة على الأرض، سأنشئ عموداً هناك، وسيكون هذا العمود عمود بناء وقناة للحركة العمودية».

جائزة بريتزكر

في معرض حديثها عن سبب اختيار إيسوزاكي للفوز بجائزة بريتزكر 2019 ، تقول مارثا ثورن، المدير التنفيذي لجائزة بريتزكر، وعميد كلية «آي إي » للهندسة المعمارية والتصميم في مدريد بإسبانيا: إن آراتا إيسوزاكي ذو «مسيرة مهنية طويلة وغنية، وهو معماري متفرد لم يتّبع تيارات ثابتة، وإنما تطور باستمرار عبر السنين. وإذا نظرنا إلى أعماله الأولى وقارناها بأعمال المرحلة الوسيطة أو تلك التي أنجزها حديثاً، سوف نلاحظ أنها مختلفة تماماً، ومع ذلك، فإن ثمة ما يجمع هذه الأعمال ويربط بينها جميعاً، وهو بحثه عن المعنى في العمارة من ناحية، واهتمامه بمن سيسكن هذه الأبنية والتصاميم المعمارية من ناحية أخرى ». وإضافة إلى الجائزة المرموقة التي نالها أخيراً، حصل إيسوزاكي على عدد من الجوائز الأخرى.

«كل ما أحتاجه هو 10 أمتار مربعة على
الأرض، سأنشئ عموداً هناك، وسيكون هذا
العمود عمود بناء وقناة للحركة العمودية».
آراتا إيسوزاكي

وعن العمارة الحديثة والمستقبلية يعلّق إيسوزاكي: «ثمة فترة يكون فيها كل شيء جيداً طالما أنه مثير للاهتمام. تتساءل ما العمارة؟ ماهيتها، معناها. ليس المهندس المعماري مجرد شخص يصمّم بناء، وإنما ما يهمّ فعاً هو كيف سيعمل المعماري في الأزمنة القادمة. في منظومة التحولات التي نعيشها اليوم، يولد مهندس معماري جديد لمرحلة جديدة؛ إنه معماري العصر الحديث. إذ بات بمقدورنا كشف ما هو خفيّ، لأن الأشياء أصبحت ظاهراتية أكثر، كما يمكّننا ذلك من تعميق فهمنا. أؤمن أن لدينا اليوم الكثير من الاحتمالات».

أشهر 10 مشروعات من تصميم إيسوزاكي

1962

مكتبة أويتا العامة في مدينة أويتا، اليابان.

1986

متحف لوس أنجلوس للفن المعاصر.

1990

مجمع سانت خوردي للألعاب الأولمبية في برشلونة.

1992

قاعة نارا المئوية في مدينة نارا - اليابان.

1993

متحف بيت الإنسان، التفاعلي، في لاكورونيا - إسبانيا.

1999

مركز العلوم والصناعة في كولومبوس - الولايات المتحدة الأمريكية.

2003

برج آليانز في ميلان - إيطاليا.

2006

صالة بالاهوكي للألعاب الأولمبية الشتوية في تورينو - إيطاليا.

2008

الأكاديمية المركزية للفنون الجميلة ضمن متحف الفن المعاصر في بكين.

2014

قاعة شنغهاي السيمفونية.