مستقبل الدول وتقلبات التكنولوجيا والسوق

مارك ليونارد

منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، تفوقت السياسة على الاقتصاد بشكل متزايد، وهو اتجاه بلغ ذروته مع انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة وإجراء استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام 2016. وقد مثل كلا الحدثين رد فعل عنيف وعكسي ضد رؤية تطمح إلى عالم خالٍ من الاحتكاكات ومحكوم (غير مُوجه) بأكبر قدر ممكن من الكفاءة من خلال «عمليات أصحاب المصلحة المتعددين».

علاوة على ذلك، في الاجتماع السنوي الذي انعقد هذا العام في دافوس، واجه الحاضرون تحدياً كبيراً: عودة الجغرافيا السياسية. كان موضوع المنتدى الاقتصادي العالمي يتمثل في «التاريخ عند نقطة تحول»، إدراكاً لحقيقة أننا وصلنا إلى «نهاية التاريخ». وعلى الرغم من أن روح المنتدى الاقتصادي العالمي تهدف إلى تعزيز التعاون في السعي لتحقيق «عالم واحد»، إلا أن الأجندة الجديدة تتطلب منا كبير الحذر لكي نعزز جهود منع أي أشكال من الصراع والانقسام.

هيمنت حكايات وإفرازات الحرب بين روسيا وأوكرانيا على اجتماع هذا العام.

وبعد مراجعة برنامج هذا العام، سرعان ما اتضح أنه لم يسلم أي جانب من جوانب العولمة من تداعيات الصراعات الجيوسياسية الجديدة - بين روسيا والغرب، وبين الصين والغرب، وبين الصين وجيرانها، وما إلى ذلك. وبدلاً من حلقات النقاش حول اتفاقيات التجارة الحرة، تم عقد جلسات متعددة حول الحرب الاقتصادية. يتعامل القادة السياسيون ورجال الأعمال مع حقيقة أننا نعيش الآن في عالم يمكن فيه مصادرة احتياطيات البنوك المركزية، ويمكن فصل البنوك التجارية بشكل موجز ودون سابق إنذار عن نظام المعاملات المالية الدولية «سويفت»، ويمكن مصادرة الأصول الخاصة لدفع تكاليف إعادة بناء بلد ما.

في هذه الأثناء، تجاوزت حلقات النقاش المتعلقة بتغير المناخ أهداف إزالة الكربون الواردة في اتفاقية باريس المناخية للتركيز على الروابط بين الحرب وأزمة الطاقة العالمية الحالية، وارتفاع معدلات التضخم.

ولم تتناول جلسات النقاش قضايا الهجرة ومسألة التدريب على المهارات - كما كان الحال في السنوات السابقة - بل تناولت بالأحرى مسألة استخدام اللاجئين كسلاح.

وفي حلقة نقاش حول مستقبل التكنولوجيا، ناقش أحد كبار صناع السياسات اليابانيين تأثير العوامل الجيوسياسية على العلاقة بين السوق والدولة. في الماضي، عملت الدولة على تطوير ابتكارات مثل الإنترنت في البداية ثم قامت الشركات الخاصة بدمجها. ولكن اليوم، يتم تطوير الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والطائرات بدون طيار، وغيرها من التقنيات من قبل القطاع الخاص، والتي يتم بعد ذلك تسليحها من قبل الدولة. وهكذا أصبحت ضوابط التصدير والقيود المفروضة على نقل التكنولوجيا عناصر أساسية للأمن القومي.

لكن أكثر الجلسات قلقاً كانت تلك التي ركزت على الخوف من نشوب حرب باردة جديدة، والتي ستمثل نهاية العالم الذي تسوده العولمة. لقد أكد العديد من القادة خارج أوروبا وأمريكا الشمالية عن مخاوف كثيرة بالصدد، ولم يقتنعوا بالفكرة التي روجت لها إدارة بايدن بشدة، وبينوا انهم يخشون من أن يؤدي هذا التأطير إلى عالم أكثر انقساماً من الناحية الأيديولوجية.

 

* مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ومؤلف كتاب «عصر اللا سلم: كيف يتسبب الاتصال في الصراع»