الاستثمار في التحوُّل الرقمي بإفريقيا

سوندار بيتشاي

ماونتن فيو - قبل بضع سنوات، كنت في لاغوس لمشاهدة برامج المهارات الرقمية لشركة "ألفابت" أثناء عملها. كانت هناك حماسة لمستقبل التكنولوجيا في إفريقيا وجميع الوظائف والفرص التي يمكن أن توفِّرها. بدءًا من الباحثين عن عمل الذين يتعلمون مهارات جديدة إلى رجال الأعمال الذين يُصمِّمون تطبيقات وشركات جديدة واعدة، كان الأشخاص الذين قابلتهم ملهمين للغاية.

كنتُ شديد الاهتمام بهؤلاء الأشخاص، حيث خطروا بذهني عندما خاطبتُ القادة الإقليميين في منتدى الأعمال السنوي للاتحاد الإفريقي هذا الأسبوع. وعلى الرغم من أنَّ القارة تواجه تحديات هائلة - من الجائحة المستمرة إلى التعافي الاقتصادي الصعب - فإنَّ لديها أيضًا الكثير من الأسباب للتفاؤل، بقيادة المهندسين والمطورين ورجال الأعمال في المنطقة.

لقد أصبحت إفريقيا بشكل متزايد مكانًا ملائمًا للابتكار. لقد شهدتُ في العام الماضي العديد من جولات الاستثمار للشركات الإفريقية الناشئة في مجال التكنولوجيا أكثر من أي وقت مضى. يستخدم الناس الآن في كل مكان أنظمة الدفع عبر الهاتف المحمول التي تمَّ تطويرها لأول مرة في كينيا. تعمل حلول الطاقة المتجددة التي تمَّ إنشاؤها في إفريقيا على تشكيل مستقبل أكثر استدامة لنا جميعًا. وبفضل الإنترنت، يمكن للشركات الإفريقية الوصول إلى الأسواق في جميع أنحاء العالم، مع توفير حلول للتحديات الأكثر إلحاحًا في إفريقيا والعالم.

هذا الأمر يعنى لي الكثير. أثناء نشأتي في الهند، كان على عائلتي انتظار وصول كل تقنية جديدة إلينا، بدءًا من التلفزيون الذي مكَّننا من رؤية أجزاء أخرى من العالم، إلى الهاتف الدوّار الذي يعني أنه يمكننا الحصول على نتائج الاختبار بشكل أسرع. اليوم، تقوم الهند بتصدير التكنولوجيات إلى العالم.

اليوم تتاح لإفريقيا  نفس الفرصة. وعلى الرغم من أنَّ القارة تضمُّ 18٪ من سكان العالم، فإنها تمثِّل حاليًّا 0.4٪ فقط من صادرات التكنولوجيا الفائقة، و2٪ فقط من صادرات الخدمات الأوسع نطاقًا على مستوى العالم، والتي تعتمد الآن اعتمادًا كبيرًا على التكنولوجيا. من شأن تعزيز هذه الصادرات أن يؤدي إلى تسريع النمو في القارة، كما حدث في الهند.

ولحسن الحظ، أصبحت إفريقيا على أعتاب التحوُّل الرقمي. وعلى مدى السنوات الخمس المقبلة، سيقوم 300 مليون شخص آخرين باستخدام الإنترنت في إفريقيا - العديد منهم من الشباب ورجال الأعمال الأذكياء في المجال الرقمي. يتمتع اقتصاد الإنترنت الإفريقي بإمكانية النمو إلى 180 مليار دولار - أي ما يقرب من 5.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي للقارة - بحلول عام 2025.

ومن خلال العمل بالشراكة مع الحكومات، يمكن لشركات مثل جوجل أن تلعب دورًا مهمًّا في تسريع هذا التحوُّل. وفي عام 2020، حدَّدنا بعض هذه الفرص في تقريرنا عن الاقتصادات الناشئة والتي يُطلَق عليها أحيانًا مسمّى "العدّائين الرقميين"، وفي عام 2021 خصَّصنا مبلغًا إضافيًّا قدره مليار دولار لإفريقيا على مدى السنوات الخمس المقبلة. واليوم، ندعو الآخرين للقيام باستثماراتهم الخاصة. كما نوصي بالتركيز على أربعة مجالات رئيسة تضمن استفادة كل إفريقي من التحوُّل الرقمي.

أولاً، يجب أن نساعد على توسيع نطاق الوصول إلى الإنترنت الموثوق به وبأسعار معقولة في جميع أنحاء القارة. لقد رأينا خلال الجائحة أنَّ الاتصال الرقمي يُعدُّ أمرًا بالغ الأهمية، حيث يساعد الناس في العثور على المعلومات الأساسية والاتصال بالخدمات الهامة. سيوفِّر كابل الإنترنت الثالث تحت سطح البحر والذي سيربط بين أوروبا وإفريقيا خدمة إنترنت أسرع وأفضل جودة لعدد أكبر من الأشخاص، مما يساعد على خفض التكاليف بنسبة تزيد على 20٪. من خلال العمل مع شركاء مثل شركة "إيكونت وايرلس المحدودة"، ينشر فريق "Taara" لدينا روابط اتصالات ضوئية لاسلكية تستخدم الضوء لنقل المعلومات بسرعات فائقة عبر الهواء، مما يحسّن كلًّا من القدرة على تحمُّل التكاليف وإمكانية الاتصال. كما نركِّز على خفض الحواجز التي تحول دون استخدام الهواتف الذكية، بما في ذلك من خلال العمل مع شركة "سفاريكوم" في كينيا لتقديم أول خطط تمويل للأجهزة في البلاد.

تتمثَّل الأولوية الثانية في مساعدة الشركات الإفريقية بمختلف أحجامها في تحقيق التحوُّل الرقمي. ووفقًا لمعهد بورتولانز، فإنَّ تطوُّر الأعمال التجارية (والذي يُحدِّد من خلال "العاملين في مجال المعرفة، وروابط الابتكار، واستيعاب المعرفة") يتخلَّف كثيرًا عن توافر الهياكل الأساسية الرقمية. إنَّ سدَّ هذه الفجوة يعني تمكين الشركات من الانتقال إلى شبكة الإنترنت، وتدريب المزيد من الأشخاص لمتابعة المهن التي تعتمد على التكنولوجيا، وضمان استفادة الشركات من الحوسبة السحابية.

يتعيَّن على الشركات الاستثمار في المنتجات والحلول المناسبة لإفريقيا، كما ينبغي للحكومات الإفريقية العمل على تكييف البيئات التنظيمية والاستراتيجيات الإنمائية الخاصة بها لتُصبح رقمية أولاً. ويتعيَّن على الشركات الصغيرة أن تكون في مركز جهود الرقمنة والتدريب، حيث توظِّف نحو ثلثي القوى العاملة الرسمية في القارة.

تتلخَّص الأولوية الثالثة في الاستثمار في إنجاح مشاريع رجال الأعمال الأفارقة. ومع نجاح المشاريع الحرة، سيتبع ذلك الابتكار والاستثمار. ولهذا السبب سوف نستثمر مباشرة في الشركات الناشئة الإفريقية من خلال صندوق مُخصَّص للاستثمار الإفريقي بقيمة 50 مليون دولار، وكذلك من خلال صندوق المؤسّسين السود العالمي. لقد استثمرنا بالفعل في تطبيق أطلقته شركة "سيفبودا" - والذي يربط الركاب بمجموعة من السائقين الآمنين والموثوقين - ونأمل أن تساعد الشركات الأخرى على توفير تمويل إضافي للشركات الناشئة في مختلف أنحاء القارة.

تكمن الأولوية الأخيرة في دعم المنظمات غير الربحية والمؤسَّسات التي تعمل على إطلاق العنان لمزايا التكنولوجيا. على سبيل المثال، يستخدم فريق "إيركو" في جامعة ماكيريري في أوغندا الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار لمراقبة نوعية الهواء. نحن نوفِّر لهم 3 ملايين دولار حتى يتمكَّنوا من ممارسة عملهم خارج نطاق كمبالا، كجزء من التزام أوسع نطاقًا بقيمة 40 مليون دولار لمساعدة المنظمات غير الحكومية على التصدي للتحديات في مجتمعاتها المحلية.

ينبغي لأي شركة تسعى للاستثمار في إفريقيا أن تكون منفتحة على التعلُّم. إنَّ وجود جوجل في القارة يساعدنا بالفعل على تحسين التكنولوجيا التي نبنيها للجميع. وبالنظر إلى المستقبل، ستكون الشراكات الأعمق أساسية لضمان استدامة التقدُّم الرقمي في إفريقيا. ونأمل أن تنضمَّ إلينا المزيد من الشركات في هذه الجهود، مما سيساعد على ضمان استفادة كل شخص في إفريقيا من الفرص التي تُتيحها التكنولوجيا.

سوندار بيتشاي هو الرئيس التنفيذي لشركة جوجل وألفابت.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2022.
www.project-syndicate.org