استراتيجية لمنع انتشار الأوبئة في المستقبل

أدى ظهور فيروس كورونا المستجد، كوفيد- 19 ، في ووهان الصينية، في ديسمبر 2019 ، إلى استجابة عالمية للوباء. كما سلط الضوء على مسألتين رئيستين: الأولى، قدرة الصين السريعة والفعالة على تحديد المرض الناشئ حديثاً والتحقيق فيه؛ وثانياً، ضعفنا العالمي المستمر تجاه الأوبئة والجائحات.

عند إعلان إصابة المجموعة الأولى من الحالات في مستشفى محلي في 27 ديسمبر 2019 ، حدد العلماء الصينيون هذا المرض على أنه متلازمة جديدة، واكتشفوا أن العامل الممرض هو السبب، وأبلغوا العالم عن تسلسله الجيني في أقل من 14 يوماً. في وقت كتابة هذا التقرير، أصبح لدينا معلومات مفصلة عن علاقتها بفيروسات الخفافيش التاجية الأخرى، والتي اكتشف الكثير منها التعاون بين تحالف «إيكوهيلث » ومعهد ووهان للفيروسات، والكلية الطبية ديوك-إن يو إس » (جامعة ديوك وجامعة سنغافورة الوطنية). ولدينا أيضاً بيانات من إصابات خط الخلايا التجريبية، على النتائج السريرية، وكيفية انتقال الفيروس، وانتشاره إلى بلدان أخرى. هذه النتائج السريعة والناجحة هي دليل واضح على ظهور الصين كقوة علمية عظمى في القرن الحادي والعشرين، وبلد ذي نظام صحي عام حديث وفعال مدعوم تقنياً من مركز السيطرة على الأمراض في الصين، مع نظام مراكز السيطرة على الأمراض في المقاطعات والمدن، والتي تلقت تدريباً في التحري عن الأوبئة ومكافحتها.

أسئلة عن الفيروس

ومع ذلك، على الرغم من هذه الجهود، كان هذا الفيروس الجديد قادراً على الانتشار عن طريق المصابين المسافرين داخل الصين وعلى المستوى الدولي. علاوة على ذلك، فإن آلية الانتشار التي أدت إلى إصابة الإنسان لا تزال غير مؤكدة، على الرغم من أنها تحتوي على جميع الخصائص المميزة لفيروس تاجي مرتبط بفيروس «سارس » ذي الأصل الخفاشي. وهذا يقودنا إلى سؤالين نحتاج إلى التفكير فيهما حتى الآن استعداداً لمنع الوباء القادم الذي يشبه كوفيد- 19 :

هناك الآلاف من الفيروسات
الأخرى في الخفافيش في
جميع أنحاء جنوب شرق آسيا،
ويحتمل أن يصبح العديد منها
جائحة

السؤال الأول هو: لماذا انتشر هذا الفيروس بسرعة كبيرة، وكيف يمكننا التعامل مع هذا الخطر؟ تغيرت الصين بشكل ملحوظ منذ ظهور فيروس سارس في 2003 - 2002 . توسع الاقتصاد، وأصبح العديد من الناس أكثر ثراء، مما أدى إلى التوسع في السفر الجوي والقطارات السريعة. تشير التقديرات إلى أنه تم التخطيط لثلاثة مليارات من الرحلات الفردية خلال عطلة رأس السنة القمرية الجديدة (تشونيون)، من بينها نحو 80 مليون رحلة طيران. تغيرت عادات الطيران للمواطنين الصينيين أيضاً مع تحليق العديد منهم دولياً للعمل أو السياحة. إضافة إلى ذلك، منذ عام 2003 ، كانت هناك زيادة في السفر بين الصين والدول الإفريقية، عبر جنوب شرق آسيا و «العالم الجديد » كجزء من توسع الصين في الأعمال والتجارة. وهذا يفسر إلى حد كبير سبب تمكن الفيروس من الانتشار خارج الصين بسرعة أكبر بكثير من فيروس سارس الذي استغرق أكثر من شهرين للانتقال إلى هونغ كونغ ثم إلى بقية العالم.

السؤال الثاني: ما هو مصدر هذا الفيروس؟ والدليل واضح إلى حد ما: معظم الحالات الأولية كانت مرتبطة بسوق المأكولات البحرية الذي باع أيضاً لحوم الماشية المذبوحة وبعض الحيوانات البرية. يبدو أن الفيروس نفسه له أصل من منتجات الحياة البرية )الخفافيش( شبيه بفيروس سارس، والذي ظهر أيضاً في سوق منتجات الحياة البرية من خلال تفاعلات البشر والحيوانات الأخرى التي كانت كالمضيف المتوسط للفيروس. مع ظهور انتشارين وبائيين في الصين مرتبطين بشكل كبير بأسواق الحياة البرية، يعد هذا هدفاً واضحاً لبرامج المكافحة لمنع الأوبئة في المستقبل. في الواقع، كانت هناك فيما سبق دعوات من الصينيين المحافظين وقادة الصحة العامة وصانعي السياسات للحد من استهلاك منتجات الحياة البرية.

ومع ذلك، قد لا يكون حظر أو بيع الحيوانات البرية أمراً صريحاً، ومن الصعب تغيير السلوكيات المتأثرة بالثقافة والتقاليد الصينية. كما أن الإيمان القوي بالقوة العلاجية المزعومة لمصادر الحياة البرية ومنتجاتها الفرعية، جعل استهلاك منتجات الحياة البرية النادرة والمكلفة تعبيراً اجتماعياً عن الثروة المعزّزة بالنمو الاقتصادي. ومع ذلك، فإن تغيير هذه العادات الثقافية سيستغرق بعض الوقت، وتشير بيانات الاستبيان السلوكي الأخيرة إلى تحول في الأجيال مع انخفاض استهلاك الحياة البرية لدى جيل الشباب. ومع ذلك، ليس هناك شك في أن تجارة الحياة البرية تنطوي على مخاطر متأصلة في تقريب الناس من مسببات الأمراض التي تحملها الحياة البرية، والتي لم نواجهها بعد، والتي يمكن أن تؤدي إلى تفشي المرض التالي.

خطوات وقائية

هنا، نقترح ثلاث خطوات رئيسة للمساعدة على الحد من خطر وباء مستقبلي مشابه لوباء فيروس كورونا المستجد «كوفيد-2019»:

1. مراقبة الحياة البرية لأجل معرفة مسببات الأمراض شديدة الخطورة

على مدى السنوات العشر الماضية بالتعاون مع علماء في الصين، قمنا بجمع عينات من أكثر من 10 آلاف خفاش وألفين من الثدييات الأخرى في جميع أنحاء جنوب الصين، واكتشفنا 52 فيروساً جديداً من نوع كورونا-سارس و 122 من بي-كورونا، وأكثر من 350 نوعاً جديداً من أ-كورونا )بما في ذلك متلازمة الإسهال الحادة الجديدة من الخنازير سادس-كورونا(، وغيرها. وجدنا فيروسات كورونا ذات صلة ب «سارس » يمكن أن ترتبط بالخلايا البشرية، وتسبب مرضاً شبيهاً ب «سارس » في نماذج الفئران المتوافقة مع البشر. هذه الفيروسات لم يتم منعها عند استخدام لقاح مرشّح ضد فيروس كورونا-سارس، ولم تكن قابلة للعلاج مع العلاجات أحادية النسيلة تقريباً قيد التطوير لمرض سارس.

وأخيراً، أظهرنا أدلة مصلية على أن الأشخاص الذين يعيشون في تفاعل بين الحياة البرية والبشر في المناطق الريفية في الصين يتعرضون للفيروسات التاجية المرتبطة بسارس، وربما حتى فيروس «كوفيد-19 » ، بين فترة ظهور سارس والانتشار الراهن. تشير هذه البيانات معاً إلى الفيروسات التاجية الناشئة عن مصادر الحياة البرية على أنها «خطر واضح وحاضر ». كما أنهم يسلطون الضوء تماماً على قضية القلق الرئيس في تفشي المرض الحالي، وهي أن هناك تنوعاً كبيراً من السلالات الفيروسية في الحياة البرية في الصين مع احتمال كبير لظهورها لدى البشر. علاوة على ذلك، نقدر أن هناك الآلاف من الفيروسات الأخرى في الخفافيش في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا، ويحتمل أن يصبح العديد منها جائحة. نحث بشدة على أن يعمل العلماء في هذه البلدان على اكتشاف جميع هذه الفيروسات حتى نتمكن من فهرستها، وإنشاء مكتبة مرجعية لتعرُّف مسببات الأمراض وتقييم المخاطر بشكل سريع، واختبار اللقاحات والعلاجات ضدها.

ليس هناك شك في أن تجارة منتجات الحياة
البرية تنطوي على مخاطر كامنة في تقريب
الناس من مسببات الأمراض التي تحملها
الحياة البرية، والتي لم نواجهها بعد، ويمكن
أن تؤدي إلى تفشي الوباء القادم

2. مراقبة الأشخاص المعرضين لخطر الاتصال مع الحياة البرية والتخفيف من عوامل الخطر

تشير نتائج عينة الأشخاص من المجتمعات الريفية في جنوب الصين ممن كانوا إيجابيين لفيروس «كورونا-سارس » إلى أن الفيروسات التاجية ذات الأصل الخفاشي تنتشر بشكل شائع في المنطقة. قد تهرب الحالات الفردية أو مجموعات صغيرة من العدوى البشرية من الرصد، خاصة في المناطق والبلدان المجاورة للصين بقدرة رعاية صحية أقل أو في المناطق الريفية، حيث لا يسعى الأشخاص إلى التشخيص أو العلاج في الوقت المناسب. يمكن تصميم برامج المراقبة من قبل سلطات الصحة العامة المحلية لتحديد المجتمعات التي تعيش في مناطق ذات تنوع كبير في الحياة البرية، وتنوع كبير محتمل للفيروسات الجديدة.

تقع الصين ضمن «نقطة ساخنة للأمراض
الناشئة » الرئيسة في جنوب شرق آسيا،
ولكن هناك أيضاً خطر كبير لحدوث أوبئة
مستقبلية تنشأ في إفريقيا جنوب الصحراء
الكبرى وجنوب آسيا وأميركا اللاتينية

يمكن تضمين الأشخاص الذين يتواصلون بشكل متكرر مع الحيوانات البرية أو المنزلية المرتبطة بسبل عيشهم ومهنهم، والمرضى الذين يعانون من عدوى الجهاز التنفسي الحادة أو أعراض أمراض شبيهة بالإنفلونزا مع مسببات غير معروفة في المراقبة كطريقة فعالة من حيث التكلفة للتعرف على تداعيات الفيروسات الجديدة. يمكن تنسيق استراتيجية «المراقبة السابقة للتفشي » مع قطاعات مختلفة من الصحة العامة والرعاية الصحية والزراعة والغابات لتنفيذ جمع العينات واختبار الحياة البرية والحيوانات الأليفة والأشخاص، بالتعاون مع المؤسسات البحثية. ستساعد هذه الجهود على تحديد وتوصيف التسلسل الجيني الفيروسي، وتحديد المجموعات البشرية عالية الخطورة بالأجسام المضادة والاستجابات المناعية الخلوية إلى الفيروسات القادمة من الحياة البرية، وكذلك عوامل الخطر في السلوكيات البشرية والبيئة المعيشية من خلال المقابلات. يمكن بعد ذلك تصميم الاستراتيجيات القائمة على الأدلة للحد من المخاطر وتنفيذها في المجتمعات التي يتم فيها تحديد انتشار الفيروس.

3. تحسين الأمن الحيوي لتجارة المنتجات من الحياة البرية وأسواق الحيوانات

من الواضح أن تجارة الحياة البرية لعبت دوراً في ظهور كوفيد- 19 ، وكذلك الأمراض السابقة في الصين مثل «سارس »، وفي جميع أنحاء العالم )مثل جدري القرود في الولايات المتحدة الأميركية، إيبولا في إفريقيا، السالمونيلا في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا(. كانت استجابة الصين في الجائحة الحالية سريعة وواسعة: تم إغلاق سوق المؤشرات فوراً وبمجرد انتشار الفيروس، تم حظر تجارة المنتجات من الحياة البرية مؤقتاً في مقاطعات معينة، ثم على المستوى الوطني. حددت تحقيقاتنا الأخيرة حول المخاطر السلوكية في الصين المستويات المنخفضة للأمن البيولوجي البيئي والمستويات العالية من الاتصال بين الإنسان والحيوان كعوامل خطر رئيسة لظهور الأمراض الحيوانية، خاصة في الأسواق المحلية الرطبة والحيوانية.

في حين أن الحظر الحالي على تجارة المنتجات من الحياة البرية قد يساعد في السيطرة على الأمراض في هذه اللحظة، لمنع ظهور المرض في المستقبل، يجب تحسين الأمن الحيوي في السوق فيما يتعلق بمرافق وأنظمة النظافة والصرف الصحي، ومصدر الحيوانات التي يتم تداولها في السوق. من منظور ظهور الفيروس، من المرجح أن تكون الحيوانات المستزرعة أقل خطورة من الحيوانات البرية. ومع ذلك، وبالنظر إلى حجم صناعة تربية الأحياء البرية في الصين، فإن الأمر يحتاج إلى تحسين المراقبة الروتينية للأمراض والرعاية البيطرية في المزارع، وفي النقل إلى الأسواق. أثار الارتباط بين هذا التفشي وتجارة منتجات الحياة البرية رأياً عاماً قوياً ضد استهلاك منتجات الحياة البرية، ودعا العلماء بشكل مشترك إلى تعديل عاجل لقانون حماية الحياة البرية لتوحيد وإدارة تجارة منتجات الحياة البرية باعتبارها قضية تتعلق بالصحة العامة والأمن. ويتطلب التعاون بين إدارة الدولة للغابات والأراضي العشبية، ووزارة الزراعة والشؤون الريفية، وإدارة الدولة لتنظيم السوق وسلطات الصحة العامة لمعالجة هذه القضية كهدف بعيد المدى.

يتطلب التعامل مع مخاطر الأوبئة المستقبلية جهداً عالمياً. تقع الصين ضمن «نقطة ساخنة للأمراض الناشئة » الرئيسة في جنوب شرق آسيا، ولكن هناك أيضاً خطر كبير لحدوث أمراض مستقبلية تنشأ في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا وأميركا اللاتينية. علاوة على ذلك، فإن دوافع ظهور الأمراض هي الأنشطة البشرية التي تتوسع على نطاق عالمي، بما في ذلك إزالة الغابات وتكثيف الزراعة وتجارة منتجات الحياة البرية. وقد أدى ذلك إلى زيادة كبيرة في تواتر الاتصال بين الحيوان والإنسان، واحتمال ظهور وانتشار مرض جديد، مما يوحي بأن الأوبئة ستصبح أكثر تواتراً وأكثر تدميراً في المستقبل. تواجه هذه التهديدات جميع البلدان لأنه بمجرد ظهور الأمراض، فإنها تسافر بسرعة وحرية عبر شبكاتنا العالمية للسفر والتجارة. نتطلع إلى استمرار التعاون بين العلماء من الصين وبقية العالم، والعمل على تطوير هذه الاستراتيجيات الجديدة لمنع الوباء القادم.

 

المصدر: دار نشر الجمعية الطبية الصينية.